تحتل مدينة القدس موقعا خاصا في قلب كل يهودي ومسيحي ومسلم فهي ملتقي الأديان الثلاثة وأولي القبلتين وثالث الحرمين. وظلت القدس من هذا المنطلق مدينة تلاقي بين كل الشعوب علي اختلاف انتماءاتهم دون تفرقة. إلا أن الحال قد تبدل منذ أن احتلها الصهاينة في1967,1948 وبدأوا في تنفيذ مخططهم اللعين بالتطهير الديني في المدينة ضد كل مسلم ومسيحي لتظل مدينة خالصة لليهود وحدهم رغبة منهم في أن تكون ـ كما يدعون ـ عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل.
وتقع الديموجرافيا موقع القلب من تنفيذ الغاية الصهيونية التي تستند إلي مخطط قديم بدأ مع تأسيس هذه الحركة في نهاية القرن الماضي. إذ تعمد الصهاينة تغيير التركيبة السكانية للمدينة منذ ذلك الحين. ففي الوقت الذي كان اليهود يشكلون أقل من10% في نهاية القرن الماضي من سكان القدس, نجد أنه مع الهجرة المركزة إلي المدينة أصبحوا يشكلون25% في1918 م ثم29% في1921 م ثم34% في1931 م وحوالي60% في1947 م وأكثر من75% في منتصف التسعينات.
وتدور فلسفة أبناء العام سام علي أن تفريغ المدينة من سكانها الأصليين وإحلال اليهود المستقدمين من مختلف أصقاع الأرض المتقدم منها والمتخلف هو الضمانة الوحيدة لتكون ولتظل عاصمة موحدة وأبدية لهم, لذا نجدهم قد عمدوا إلي تنفيذ مخططاتهم من خلال عدة محاور مدروسة ومخططة بعناية وحرص وتتسم بالشمول والتكامل بحيث تؤدي في نهاية الأمر إلي تحقيق الهدف إذ:
بدأ الصهاينة بارتكاب المذابح في كل مكان وليست مذبحة دير ياسين بعيدة عن الأذهان. ولقد أدت هذه المذابح إلي نشر الخوف والهلع في كل مكان مما ساعد علي الهجرة إلي المدن الأخري والبلاد المجاورة.
الاستيلاء علي القدس الغربية رغم القرارات الدولية تجعل مدينة القدس دولية وجعلها تشكل فاصلا بين الجزء الشرقي والجزء الغربي من فلسطين طبقا لقرار التقسيم.
الاستيلاء علي القدس الشرقية في أعقاب حرب يونيو,1967.
ولقد تم الكشف نهائيا عن النوايا الصهيونية بالإعلان في1980/5/15 م عن أن القدس عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل, هذا رغم رفض كل الهيئات الدولية والإقليمية لهذا القرار.
واستكمالا لتنفيذ شعار أكبر مساحة من الأرض بأقل عدد من السكان الفلسطينيين عمدت إسرائيل إلي اتباع مسلسل مصادرة الاراضي, هدم المنازل تارة بحجة البناء بدون ترخيص وتارة أخري بجعل الهدم عقوبة أي تصرف تعتبره إسرائيل جريمة من وجهة نظرها. ويكمل ذلك عدم السماح للعرب بالبناء في القدس في الوقت الذي تسمح فيه لليهود بالبناء, بل وتحلهم محل العرب الذين هدمت أحياؤهم.
ولتغيير التركيبة الديموجرافية للسكان لجأ الإسرائيليون إلي بناء أحياء يهودية تتخلل الأحياء العربية لإحداث خلخلة سكانية هذا مع التمييز الاقتصادي والسياسي والاجتماعي ضد السكان العرب.
أحاطت إسرائيل القدس الشرقية والغربية بحزام ناسف من المستوطنات لنسف ما تبقي من أشلاء السكان العرب ولترسيخ واقع طالما هدفوا إليه ولعزل القدس عن بقية المدن الفلسطينية.
ولم يكتفوا بذلك من تغيير بالربط بين السكان والأرض بل لجأوا إلي وضع بعض القواعد التي إن تحققت أحداها فقد الفلسطينيون من القدس حق العودة وحق الإقامة في مدينتهم, وهي:
إذا حصل المواطن علي جنسية دولة أخري.
إذا سجل إقامته في مدينة أخري.
إذا عاش خارج القدس أكثر من سبع سنوات.
وإذا كان العرب الفلسطينيون قد شردوا وأجبروا علي الاقامة في مناطق أخري فنجد أنهم بهذه القواعد لا حق لهم في العودة ويحل اليهود محلهم ومن ثم يتحقق الحلم الصهيوني. هذا الحلم الذي عبروا عنه علانية في تصريحاتهم إذ قال شارون يجب أن يكون في القدس الكبري ـ العاصمة الأبدية لإسرائيل أكثر من مليون يهودي ونحن نسير وفق رؤية بعيدة المدي علي هذا الطريق.
ولنا أن نتساءل ألا يفسر ذلك التلكؤ والتنطع الإسرائيلي حيال تنفيذ اتفاقية أسلو1993 م, بل وقبلها عدم ذكر القدس في اتفاق مدريد1991 م, ففي أسلو تم الاتفاق علي جعل القدس ضمن مفاوضات الاتفاق علي الوضع الدائم والنهائي علي أن تبدأ في1996 م, إلا أنها لم تبدأ حتي الأن, بل نلاحظ أن هناك تسارعا في وتيرة التهويد للقدس ليأتي الفلسطينيون والعرب والعالم ليجدوا واقعا يستحيل تغييره ومن هنا تحقق الديموجرافيا مالا تستيطع تحقيقه الطائرة والدبابة.
ولكننا نعتقد أنه هيهات أن يتحقق ذلك في ظل شباب فلسطيني أعاد اكتشاف ذاته وأصبحوا هم مصدر القلق الحقيقي للإسرائيليين.
والله تعالي من وراء القصد
قواعد اللعبة الديموجرافية في القدس
بقلم : أ.د/ السيد أحمد عبدالخالق
مدير مركز الدراسات السياسية والدولية ـ جامعة المنصورة (آنذاك)
منشور في جريدة الاهرام
بتاريخ :الجمعة 9 من جمادي الأول 1420 هـ / 20 أغسطس 1999 / السنة 123 / العدد 41164
باب قضايا وآراء
|